الغزالي
3
إحياء علوم الدين
الجزء التّاسع [ تتمة ربع المهلكات ] [ تتمة كتاب آفات اللسان ] [ تتمة بيان خطر اللسان وبضيلة الصمت ] [ تتمة بيان آفات اللسان ] الآفة الثالثة الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي ، كحكاية أحوال النساء ، ومجالس الخمر ، ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء ، وتجبر الملوك ، ومراسمهم المذمومة ، وأحوالهم المكروهة . فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه ، وهو حرام . وأما الكلام فيما لا يعنى ، أو أكثر مما يعنى ، فهو ترك الأولى ، ولا تحريم فيه . نعم من يكثر الكلام فيما لا يعنى ، لا يؤمن عليه الخوض في الباطل وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحرف ، ولا يعدو كلامهم التفكه بأعراض الناس ، أو الخوض في الباطل . وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها . فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعنى من مهمات الدين والدنيا . وفي هذا الجنس تقع كلمات يهلك بها صاحبها ، وهو يستحقرها . فقد قال بلال بن الحارث ، [ 1 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله ما يظنّ أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ما يظنّ أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة » وكان علقمة يقول : كم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث . وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثّريّا » وقال أبو هريرة : إن الرجل ليتكلم بالكلمة ، ما يلقى لها بالا ، يهوى بها في جهنم ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ، ما يلقى لها بالا يرفعه الله بها في أعلى الجنة